القرطبي

44

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

ونوى الاحرام صار محرما لا يجوز له أن يحل بدليل هذه الآية فهذه الاحكام معطوف بعضها على بعض بعضها منسوخ وبعضها غير منسوخ . العاشرة - قوله تعالى : ( يبتغون فضلا من ربهم ورضوانا ) قال فيه جمهور المفسرين : معناه يبتغون الفضل والأرباح في التجارة ، ويبتغون مع ذلك رضوانه في ظنهم وطمعهم . وقيل : كان منهم من يبتغي التجارة ، ومنهم من يطلب بالحج رضوان الله وإن كان لا يناله ، وكان من العرب من يعتقد جزاء بعد الموت ، وأنه يبعث ، ولا يبعد أن يحصل له نوع تخفيف في النار . قال ابن عطية : هذه الآية استئلاف من الله تعالى للعرب ولطف بهم ، لتنبسط النفوس ، وتتداخل الناس ، ويردون الموسم فيستمعون القرآن ، ويدخل الايمان في قلوبهم وتقوم عندهم الحجة كالذي كان . وهذه الآية نزلت عام الفتح فنسخ الله ذلك كله بعد عام سنة تسع ، إذ حج أبو بكر ونودي الناس بسورة " براءة " . الحادية عشرة - قوله تعالى : ( وإذا حللتم فاصطادوا ) أمر إباحة - بإجماع الناس - رفع ما كان محظورا بالاحرام ، حكاه كثير من العلماء وليس بصحيح ، بل صيغة " أفعل " الواردة بعد الحظر على أصلها من الوجوب ، وهو مذهب القاضي أبي الطيب وغيره ، لان المقتضي للوجوب قائم وتقدم الحظر لا يصلح مانعا ، دليله قوله تعالى : " فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين " ( 1 ) [ التوبة : 5 ] فهذه " أفعل " على الوجوب ، لان المراد بها الجهاد ، وإنما فهمت الإباحة هناك وما كان مثله من قوله : " فإذا قضيت الصلاة فانتشروا " ( 2 ) [ الجمعة : 10 ] " فإذا تطهرن فأتوهن " ( 3 ) من النظر إلى المعنى والاجماع ، لا من صيغة الامر . والله أعلم . الثانية عشرة - قوله تعالى : ( ولا يجر منكم شنآن قوم أن صدوكم عن المسجد الحرام ) أي لا يحملنكم ، عن ابن عباس وقتادة ، وهو قول الكسائي وأبي العباس . وهو يتعدى إلى مفعولين ، يقال : جرمني كذا على بغضك أي حملني عليه ، قال الشاعر : ( 4 ) ولقد طعنت أبا عيينة طعنة * جرمت فزارة بعدها أن يغضبوا

--> ( 1 ) راجع ج 8 ص 71 . ( 2 ) راجع ج 18 ص 108 . ( 3 ) راجع ج 3 ص 90 . ( 4 ) هو أبو أسماء بن الضريبة ويقال : هو عطية بن عفيف . وطعنت ( بفتح التاء ) لأنه يخاطب كرزا العقيلي ويرثيه وقبل البيت : يا كرز إنك قد قتلت بفارس * بطل إذا هاب الكماة وجببوا وكان كرز قد طعن أبا عيينة وهو حصن بن حذيفة بن بدر الفزاري . ( اللسان ) .